ابن قيم الجوزية
89
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وأنف أن يسلم وقال : هذا يمنّ اللّه عليه بالهدى والسعادة دوني ؟ ! قال اللّه تعالى أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) [ الأنعام ] وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ، ويشكرون اللّه عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية ، فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم ، تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها ، وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم ، وتحبوني كحبهم ، لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنّني ونعمي محالّ لا تليق إلا بها ، ولا تحسن إلّا عندها ، ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله هاهنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) [ الأنعام ] وقوله وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ( 124 ) [ الأنعام ] وقوله وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 ) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ( 69 ) [ القصص ] . أي : سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ، ولهذا كان الوقف التام عند قوله « ويختار » ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم ، وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم بمحالّ الاختيار ومواضعه ، لا من قال لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) [ الزخرف ] فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم ، وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على اللّه ، بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار . ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ، ومن زعم أن « ما » مفعول يختار ، فقد غلط ، إذ لو كان هذا هو المراد ، لكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان ، ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد ، فإن العائد هاهنا مجرور بحرف ، لم يجر الموصول بمثله ، فلو حذف مع الحرف ، لم يكن عليه دليل ، فلا يجوز حذفه ، وكذلك لم يفهم معنى